ابن قيم الجوزية
355
الروح
وجمع المنسلخون عن الشرائع بين الحلال والحرام فقالوا : هذه المرأة خلقها اللّه وهذه خلقها وهذا الحيوان خلقه وهذا خلقه فكيف يحل هذا ويحرم هذا ؟ وجمعوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، وجاءت طائفة الاتحادية فطموا الوادي على القرى وجمعوا الكل في ذات واحدة وقالوا هي اللّه الذي لا إله إلا هو وقال صاحب فصوصهم وواضع نصوصهم واعلم أن الأمر قرآنا لا فرقانا : ما الأمر إلا نسق واحد * ما فيه من مدح ولا ذم وإنما السعادة قد خصصت * والطبع والشارع بالحكم والمقصود أن أرباب البصائر هم أصحاب الفرقان فأعم الناس فرقانا بين المشتبهات أعظم الناس بصيرة . والتشابه يقع في الأقوال والأعمال والأحوال والأموال والرجال وإنما أتى أكثر أهل العلم من المتشابهات في ذلك كله ولا يحصل الفرقان إلا بنور يقذفه اللّه في قلب من يشاء من عباده يرى في ضوئه حقائق الأمور ويميز بين حقها وباطلها وصحيحها وسقيمها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ « 1 » ولا تستطل هذا الفصل فلعله من أنفع فصول الكتاب والحاجة إليه شديدة فإن رزقك اللّه فيه بصيرة خرجت منه إلى فرقان أعظم منه وهو الفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه أهل التعطيل ، والفرق بين إثبات الصفات والعلو والتكليم حقيقة وبين التشبيه والتمثيل ، والفرق بين تجريد التوحيد العملي الإرادي وبين هضم أرباب المراتب مراتبهم التي أنزلهم اللّه إياها ، والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وبين الالتفات إليها ، والفرق بين تقليد العالم وبين الاستضاءة بنور علمه والاستعانة بفهمه والفرق أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، والفرق بين الحال الإيماني الرحماني والحال الشيطاني الكفري والحال النفساني ، والفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع على كل واحد والحكم المؤول الذي تهابته أن يكون جائزة الاتباع عند الضرورة ولا درك على مخالفه . فصل [ الفروق بين الأمور ] ونحن نختم الكتاب بإشارة لطيفة إلى الفروق بين هذه الأمور إذ كل فرق
--> ( 1 ) سورة النور ، الآية 40 .